رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين:
النزاهة والشفافية شرط لنجاح إعادة إعمار غزة..
أكد الدكتور أحمد القاضي، رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين، ومساعد أمين سر المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص، أن إعادة إعمار قطاع غزة يجب أن تقوم على منظومة متكاملة من النزاهة والشفافية والمنافسة العادلة، معتبرًا أن نجاح عملية الإعمار لا يقاس فقط بحجم الأموال التي ستُنفق أو عدد المشاريع التي ستنفذ، وإنما بمدى القدرة على بناء الثقة وضمان وصول الموارد إلى أهدافها الحقيقية.
جاء ذلك خلال كلمة القطاع الخاص في ورشة العمل حول تعزيز النزاهة والشفافية في جهود الإغاثة والتعافي وإعادة إعمار غزة والتي نظمتها هيئة مكافحة الفساد بالتعاون مع الهيئة الايطالية لمكافحة الفساد وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي UNDP وعدد من الشركاء الدوليين اضافة الى مؤسسات فلسطينية شريكة، حيث شدد القاضي على أن النزاهة والشفافية يجب أن تكونا حاضرتين منذ اللحظة الأولى لتصميم عملية إعادة الإعمار، وليس بعد انتهاء المشاريع واكتشاف الأخطاء.
وأوضح أن الوقاية من الفساد أكثر كفاءة وأقل كلفة من معالجة آثاره، داعيًا إلى اعتماد شروط تأهيل واضحة، ومعايير تقييم موضوعية وقابلة للقياس، وإتاحة المعلومات لجميع المتنافسين على قدم المساواة، والإعلان عن قواعد الترسية، إلى جانب وضع آليات واضحة للإفصاح عن تضارب المصالح ومراجعة القرارات وتتبع الأموال ومراقبة مراحل التنفيذ والدفع.
وأكد القاضي أن مكافحة الفساد ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية منظومة وطنية متكاملة، مشيرًا إلى أن القطاع الخاص مطالب بدوره بتعزيز بيئة الامتثال داخل الشركات، وتطوير أنظمة التدقيق الداخلي، ورفض الرشوة والتواطؤ، ومنع تضارب المصالح، واعتماد مدونات سلوك مهنية واضحة.
وفي المقابل، شدد على أن الشركة الملتزمة بالقانون من حقها أن تعمل في بيئة تحميها من المنافسة غير المشروعة ومن الامتيازات القائمة على العلاقات أو النفوذ، مؤكدًا أن النزاهة لا تعني فقط محاسبة المخالف، وإنما تعني أيضًا حماية الملتزم.
وفي محور يتعلق بدور الشركات الوطنية في إعادة إعمار غزة، أكد القاضي أن القطاع الخاص الفلسطيني لا يطالب بمنح العقود للمقاول الفلسطيني دون منافسة أو دون استيفاء شروط الكفاءة والخبرة، وإنما يطالب بـ”فرصة عادلة وحقيقية للمشاركة”.
وأشار إلى أن إعادة إعمار غزة تمثل، إلى جانب إعادة بناء المنشآت والبنية التحتية، فرصة لإعادة تحريك الاقتصاد الفلسطيني، وتشغيل العمال والمهندسين، وإعادة بناء سلاسل التوريد، وتشغيل المصانع والصناعات المحلية، والحفاظ على الخبرات الوطنية ومنع خروجها من السوق.
ودعا إلى تمكين القطاع الخاص الفلسطيني ضمن قواعد قانونية واضحة تحقق التوازن بين دعم الاقتصاد الوطني والحفاظ على المنافسة والنزاهة، مؤكدًا في الوقت ذاته ضرورة تجهيز منظومة الشراء العام مسبقًا لمتطلبات مرحلة إعادة الإعمار.
وقال إن المرحلة المقبلة قد تتطلب إجراءات أسرع وأكثر مرونة، إلا أن حالة الطوارئ لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإلغاء قواعد الشفافية والمنافسة والمساءلة، مشددًا على أن أي استثناء يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح، وأن يكون محدد النطاق والمدة وخاضعًا للرقابة الفعالة.
وطالب القاضي بإنشاء إطار وطني متكامل لحوكمة إعادة إعمار غزة، يكون منسجمًا مع القوانين الفلسطينية ومنظومة الشراء العام، مع مراعاة متطلبات الجهات المانحة والمؤسسات الدولية، مؤكدًا أهمية تحديد المسؤوليات والصلاحيات بوضوح منذ البداية، والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمن يخطط ويمول ويطرح العطاء ويقيّم ويقرر وينفذ ويراقب ويراجع ويحاسب.
كما دعا إلى مواءمة متطلبات التمويل الدولي مع النظام القانوني الفلسطيني قبل طرح المشاريع وليس بعد توقيع العقود وبدء التنفيذ، بما يضمن وضوح القواعد التعاقدية وآليات الدفع والاعتراض ومعالجة المطالبات والنزاعات ومتطلبات الإفصاح والتدقيق.
وشدد القاضي على أهمية الرقمنة باعتبارها ركنًا أساسيًا في منظومة إعادة الإعمار، مقترحًا إنشاء منصة وطنية رقمية موحدة لمشاريع إعادة إعمار غزة، تتضمن سجلًا متكاملًا لدورة حياة المشروع، بدءًا من التخطيط والتمويل والإعلان والتأهيل وتقديم العروض والتقييم والترسية، وصولًا إلى العقود وأوامر التغيير والمستخلصات والدفع والاستلام والتدقيق.
وأشار إلى أن وجود أثر رقمي لكل قرار وتعديل ودفعة مالية من شأنه تعزيز الرقابة وتتبع دورة حياة المشاريع واكتشاف المخاطر في مراحل مبكرة، مع ضرورة تحقيق التوازن بين حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات وحماية الأسرار التجارية والمعلومات الفنية والمالية التي قد تؤثر على المنافسة المشروعة.
وأكد القاضي كذلك أن الرقابة ينبغي ألا تكون عقابية فقط، وإنما وقائية وشريكة في الإنجاز، داعيًا الجهات الرقابية والتنفيذية والقطاع الخاص إلى العمل بصورة مشتركة قبل بدء المشاريع لتحديد مواطن المخاطر المحتملة ووضع الإجراءات الوقائية اللازمة لمنع تضارب المصالح والتواطؤ والتلاعب بالمواصفات أو أوامر التغيير والمستخلصات.
وفي هذا السياق، لفت إلى أن وضوح إجراءات قياس الإنجاز واعتماد المستخلصات وأوامر التغيير والتدقيق والدفع، وتحديدها ضمن أطر زمنية واضحة، يمثل عاملًا أساسيًا لحماية الشركات وضمان استمرارية المشاريع، موضحًا أن استقرار البيئة القانونية والتعاقدية ووضوحها يسهمان في خفض المخاطر وبالتالي خفض كلفة المشاريع على المال العام.
وأكد رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين استعداد القطاع الخاص لأن يكون جزءًا من بناء منظومة النزاهة ذاتها، من خلال المساهمة في وضع مدونات سلوك للصناع والموردين والمقاولين والشركات المشاركة في إعادة الإعمار، وتدريب الشركات على متطلبات الامتثال ومكافحة الفساد، وتعزيز أنظمة التدقيق الداخلي، والتعاون مع هيئة مكافحة الفساد والجهات الحكومية والرقابية، والإبلاغ عن الممارسات التي تضر بالمنافسة أو بالمال العام ضمن القنوات القانونية.
وشدد في المقابل على ضرورة التعامل مع القطاع الخاص باعتباره شريكًا في صياغة الحلول والسياسات والإجراءات، وليس مجرد جهة تتلقى القرارات بعد صدورها.
وقال القاضي إن إعادة إعمار غزة يجب أن تشكل فرصة لإعادة بناء منظومة اقتصادية ومؤسسية فلسطينية أكثر قوة وعدالة واستدامة، بما يؤسس لمنافسة أكثر عدالة، وشراء عام أكثر شفافية، وعقود أكثر توازنًا، ورقابة أكثر فاعلية، واقتصاد وطني أكثر قدرة على الصمود.
واختتم القاضي كلمته بالتأكيد على أن رسالة القطاع الخاص ليست رسالة مطالب قطاعية، وإنما رسالة شراكة ومسؤولية وطنية مشتركة، مشددًا على أن غزة تحتاج إلى إعادة بناء الحجر، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى إعادة بناء الثقة؛ ثقة المواطن بأن أموال إعادة الإعمار ستصل إلى مستحقيها، وثقة المانح بأن الأموال ستدار بكفاءة ونزاهة، وثقة المقاول بأن المنافسة ستكون عادلة، وثقة المستثمر بأن القانون واضح ومستقر.
وأكد أن “النزاهة ليست عائقًا أمام سرعة إعادة الإعمار وإنما شرط لنجاحها، والشفافية ليست عبئًا على التنفيذ وإنما ضمانة لاستدامته”، داعيًا إلى إعادة إعمار سريعة في إطار القانون، وتنفيذ كفؤ في ظل منافسة عادلة، وتمويل دولي واسع ضمن منظومة وطنية واضحة وقابلة للرقابة، وقطاع خاص فلسطيني قوي تقترن قوته بالمسؤولية والامتثال والنزاهة.
وشدد على أن نجاح هذه المنظومة لن يعني فقط إعادة بناء ما دمر، بل سيؤسس لنموذج وطني قادر على حماية المال العام، وتمكين الاقتصاد، واستعادة ثقة المواطن والمستثمر والمانح، وجعل النزاهة والشفافية جزءًا أصيلًا من مستقبل إعادة إعمار غزة ومستقبل الاقتصاد الفلسطيني.
